محمود الغيطاني
كان أول فيلم في تاريخ السينما العربية يحصل على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان “كان” الفرنسي هو الفيلم الجزائري “وقائع سنوات الجمر” Chronique des années de braise للمخرج الجزائري محمد الأخضر حامينا 1974م، وكان تاريخ حصوله على السعفة عام 1975م، الذي شارك في كتابة السيناريو والحوار له الروائي الجزائري رشيد بوجدرة مع توفيق فارس، وهو الفيلم الذي قارب على الثلاث ساعات كاملة في الحديث عن وقائع تاريخ الجزائر النضالي الذي غطته الدماء، من أجل نيل الاستقلال والحرية، والنظم التي تُمارس القمع وتجهض حقوق الإنسان أينما كان.
لم يكن مضمون الفيلم الجزائري لحامينا هو السبب في فوز الفيلم بالسعفة الذهبية في “كان“، بل كان التشكيل الجمالي والتصوير الذي مثل لديه لغة سينمائية خاصة هو ما جعله من أهم كلاسيكيات السينما العالمية حتى اليوم، ورغم هذا الفوز الكبير بالنسبة للسينما العربية بالكامل كان هناك من هاجم الفيلم والمخرج باعتبار أنهم رأوا في الفيلم ما ينافق به ويغازل فرنسا البلد المحتل، من أجل الحصول على رضاه، وقد كان مبررهم في ذلك أن الأخضر حامينا في حديثه عن الثورة الجزائرية تحدث كثيراً عن تناقضات الجزائريين أنفسهم، كما أن المخرج لم يتحدث عن أن الجزائريين كانوا على وعي تام بالثورة الجزائرية قبل حدوثها، لأنهم بالفعل لم يكن لديهم هذا الوعي، وهذه هي الحقيقة التي ذكرها الفيلم، وإن كان مهاجمو الفيلم كانوا يريدون من المخرج تزييف الوعي والحقيقة والقول: إن الجزائريين كان لديهم هذا الوعي، حتى لا يعتبرونه يخدم مصالح فرنسا؛ وهو الأمر الذي جعل حامينا يحاول الدفاع عن فيلمه بالتأكيد على أن الفيلم لم يكن يلتزم بالوقائع التاريخية بقدر ما كان خاضعا لرؤيته الفنية هو كمخرج.
أقول رغم هذا التميز في مجال السينما الجزائرية كأول فيلم عربي في تاريخ السينما العربية يحصد الجائزة الكبرى في مهرجان “كان” السينمائي إلا أن السينما الجزائرية تعاني الكثير من الانفصال عن جمهورها والشارع الجزائري، حتى يكاد المشاهد في الجزائر لا يعلم شيئاً عن سينما بلده، بل لا يعرف عن هذه السينما خارج الجزائر من الوطن العربي إلا قلة نادرة، وهذه القلة تنحصر في الفئة المهتمة بالسينما فقط، ولولا هذا الاهتمام منهم بالسينما ما كانوا قد علموا بوجود سينما جزائرية في الأساس.
لكن هل نجحت السينما الجزائرية بالفعل في جذب الجمهور الجزائري والعربي إليها مرة أخرى؟
المشكلة الحقيقة في السينما الجزائرية أنها لا تهتم كثيراً بالسينما التي تقترب من الإنسان ومشاكله المعاصرة من أجل تصوير الواقع الجزائري الحالي، ومن ثم تنصب معظم الصناعة في جزئها الأكبر على التاريخ الجزائري وحركة التحرر فقط، وهذا أيضا ما تُقبل على إنتاجه والموافقة على تمويله وزارة الثقافة الجزائرية، في حين أن الأفلام التي تهتم بالعديد من المشكلات الأخرى لا تجد من يمولها، فتسعى إلى الحصول على تمويل أجنبي من خلال فرنسا وشركاتها، أو يحاول مخرجوها الهجرة الكاملة إلى فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية حيث يكون لديهم مساحة أكبر من الإبداع وإمكانيات تمويلية تتبنى أفلامهم ومن ثم يعملون على منافسة غيرهم من السينمات المختلفة، لكن مثل هذه الأفلام يُحرم منها للأسف الجمهور الجزائري الذي لا يشاهدها إلا نادراً، ولعل الدليل على استمرارية الاهتمام بالتاريخ في السينما الجزائرية وأنه مازال مسيطرا على مقدرات الصناعة فيها أن من أحدث الأفلام في صناعة السينما الجزائرية فيلم (وقائع قريتي) للمخرج عبد الكريم طرايدية الذي يتحدث عن يوميات الطفل بشير ذي التسع سنوات، في عائلة تخلى عنها الوالد، ورغم مستوى الفيلم المتوسط إلا أن وزارة الثقافة الجزائرية اهتمت بإنتاج مثل هذا الفيلم لأنه يتحدث عن الماضي الاستعماري في حين أنها لا تهتم بالعديد من الأفلام الجزائرية الأخرى التي تتحدث عن الواقع المعيش ومشاكله اليومية.
لعل هذا الانفصال الحقيقي عن الواقع هو ما أدى في نهاية الأمر إلى انفصال الجمهور الجزائري عن السينما الجزائرية، بل وأدى ذلك إلى هجرة السينما الجزائرية الحقيقية المخلصة لهذا الفن إلى العديد من الدول الأوروبية لاسيما فرنسا من أجل الانطلاق إلى آفاق أكثر رحابة فنية، لكن هذه السينما للأسف لا يعرفها الجزائريون رغم حصدها الكثير من الجوائز في المهرجانات العالمية.
المصدر : موقع جمعية نقاد السينما المصريين
أضف تعليق