بديع منير صنيج
لم تتوقف كاميرا «جود سعيد» في فيلمه الأخير «مسافرو الحرب» عن إدهاشنا، وإشراكنا العاطفي معه في تفحُّص الأماكن والوجوه، وبصمات الزمن عليهم، واستكناه معنى الألم، ليس بتجلياته الصاخبة، بل بمحاولات انتزاع اللمحات الإنسانية منه، من دون تكلف، ولا تكريس للنمط، بقدر السعي لرسم سيرورة للألم بنكهة مُغايرة، نكهة تُسقِط من حساباتها بشاعة الواقع، في مقابل اقتناص نُبْل ابتسامة المُتجاسرين على آلامهم، في مُداورتهم لمصاعب العيش زمن الحرب، ورغبتهم في التحرُّر من براثنها، والانعتاق من قسوتها الواقعية بالاتجاه نحو فانتازيا لا تنحرف بوصلتها كثيراً عن الواقع، بقدر ما تحاول الالتصاق الشفيف به، في مواربة جميلة تُورِّط المُشاهد عبر الكسر المُتكرِّر للحكاية، وحرف مساراتها، ليكون هناك باستمرار سرديات مُضمرة لا تلبث أن تنبثق من بين الخطوط الدرامية، وهو ما أبدع به «جود» في كتابة السيناريو بالشراكة مع «سماح قتَّال» و«أيمن زيدان».
الحكاية تبدأ مع «بهاء» في رحلة تأمين أوراق نهاية خدمته من العمل في مؤسسة الكهرباء، وتستمر في «بوسطة» العودة من حلب إلى حمص عبر سلمية، والتغيُّرات التي تفرضها الأوضاع الأمنية على مسار الرحلة، والاستقرارات المتتالية في أماكن لا تلبث أن تتحول إلى منازل، وكأن هناك مطاردة سينمائية لمعنى «البيت» وإعادة تدوير لصورة «العائلة» بتكوينها الأوسع، وما يُرافق ذلك من مشاعر الحب والألفة والحنين الممزوجة بالخوف والغربة والحزن… كل تلك التوتُّرات لم تثنِ «بهاء» (جسده باقتدار الفنان «أيمن زيدان») عن الالتزام بمتقضيات شخصيته الأفلاطونية، وأيضاً الاستمرار في الحلم وصناعة الأمل، حيث أعاد الكهرباء إلى القرية المُدمَّرة، واكتشف منابع المياه فيها، بعد أن كان يقف سابقاً على طابور «البيدونات»، لكن تُجار الأزمات وسماسرتها يقفون في وجه فرحه، لكنه يبقى مُصِرَّاً على صياغة نفسه بهيئة «رجاء» للآخرين، ابتداءً من «زوجة الشهيد.. نجاح مختار» وطفلتها اللتين تركهما عند أخته، مروراً بالشاب «فراس.. لجين إسماعيل» وحكايته مع معارفِه الرَّاحلِين، وتردُّدِه في الحب، وانقلابه إلى عاشق حقيقي، وباعث آخر للأمل، مثله مثل الطفل «سامر.. ربيع جان» الجائع للحنان ولسندويشات اللبنة، وأيضاً شخصية «المهندسة.. لينا حوارنة» المحتاجة لكتف يسندها، وابنتيها اللتين تجسدهما «سوزان الوز» حبيبة «فراس»، و«لمى الحكيم» المفجوعة بفقدان طفلها فتتبنى «سامر».
في المقابل تتكرس صورة الجشع من خلال شخصيات «أبو لميا.. حسين عباس» كحديث نعمة لا يلبث أن يأخذ مكانه «مهند.. طارق عبدو» بعد أن كان «فسَّاده» و«عينه»، لدرجة مُتاجرته بـ«أخته.. سيرينا محمد» كأنها سقط متاع، بغية الحصول على المكاسب والحظوة، فتتحول بعد ذلك إلى بصَّارة عاشقة لـ«فراس»، وكذلك شخصية «أبو مظلوم.. كرم الشعراني» السائق الذي «يسوق بحسب السوق» إذ يُغير سيِّده مع تغير الطرابيش، مثله مثل «مساعده.. حسن دوبا»، لنُفاجأ بأن جميع الحكايا السابقة التي بدأت في صالة السينما/ الملجأ، واستمرت بعد وقوف «البوسطة» التي تضم جميع الملتجئين إليها نتيجة الاشتباكات، ليست سوى قصة يرويها «بهاء» لـ«فراس» وتنتهي تلك القصة بالتحاق الأخير بالخدمة الاحتياطية ليعود منها مُصاباً إصابات طفيفة مُعلناً انتهاء الحرب، لكننا كمشاهدين وشهود على تلك الوقائع عينها، نُصاب بالدَّهشة مرة أخرى، عندما نكتشف أنه حتى رحلة «البوسطة» هي أيضاً حكاية متخيَّلة يرويها «بهاء» لابنته المهاجرة إلى ألمانيا من بيته المستأجر في حلب، لينتهي الواقع بوفاة الأب، وكأنه إعلان أن الفنتازيا تقف عاجزة أمام الواقع، وأن جميع الآمال التي تبثُّها ليست أكثر من حل سردي لتجميل الألم، فمهما استطاعت لعبة السرد المجسَّدة ببلاغة كاميرا «جود سعيد»، وجماليات إضاءة وتصوير «وائل عز الدين» بالتواشج مع موسيقا «سمير كويفاتي»، ورهافة أداء الممثلين، أن تحصد من تعاطفنا، وابتساماتنا، إلا أن قسوة النهاية ستأتي كصفعة تُعيدنا إلى البداية، متمنين لو أننا ما زلنا نسكن في فرحة «فراس»، صارخين معه بملء حناجرنا: «خلصت الحرب.. خلصت الحرب.. ونحن الدليل».
المصدر : صحيفة تشرين
أضف تعليق