فيلم «صديقي محمد» ربع الساعة الأخيرة قبيل تحريـر دوما

 

باسمة إسماعيل

منذ الثواني الأولى لعرض فيلم «صديقي محمد» خيم الصمت وانشدت الأبصار للعرض وما إن بدأ العرض حتى رأيت الوجوه تحكي ما في داخل النفوس، لمحاكاته مشاعر كل الحاضرين وملامسته وجدانهم، فالكل لديهم قصص مشابهة لقصة الضابط محمد والعناصر، وكذلك قصة المفقودين والمخطوفين.

الفيلم عرض مؤخراً في الصالة المغلقة للمدينة الرياضية في اللاذقية، ضمن احتفالية أقامتها الجمعية السورية لدعم أسر الشهداء /تموز/ بالتعاون مع المؤسسة العامة للسينما، وما جذب الحضور للفيلم ليس فقط القصة التي اشتغل عليها الكاتب الصحفي وسام كنعان بدقة وموضوعية مستنداً فيها على تحقيق استقصائي أجراه مدة تزيد على أسبوعين في مدينة دوما، ولقائه مجموعة من الأطباء الذين كانوا شهوداً على تمثيلية الكيميائي، وشهوداً عياناً آخرين من أهالي دوما، ومعاينة الأماكن في المدينة كما ذكر لنا، لكن عملية الجذب أيضاً من طريقة تعاطي المخرج جود سعيد – الذي فاز مؤخراً بجائزة الفيدرالية الدولية للصحافة السينماتوغرافية عن فيلم «مسافرو الحرب» في الدورة التاسعة والعشرين لأيام قرطاج السينمائية – من خلال اعتماده على الدقة في تنفيذ المعارك- واعتماده على عناصر من الجيش العربي السوري وطيارين من نسورنا، واستخدام ذخائر ورصاص حي لإضفاء بعد واقعي على الفيلم، فقد استطاع المخرج في خمس وثلاثين دقيقة عرض ربع الساعة الأخيرة قبيل تحرير دوما، مترجماً سيناريو وحوار الكاتب الصحفي وسام كنعان برؤية إخراجية وبصرية شائقة، أشعرت الجمهور وكأنهم على أرض معركة حقيقية.

اعتمد المخرج في بداية الفيلم على أسلوب الخطف خلفاً، بلقطة للضابط الروسي سيرغي وهو في المشفى يقول لزوجة وابن الضابط السوري محمد الذي استشهد: «كان لازم يكون معنا محمد ويشهد هذا اليوم الذي يخرج فيه المدنيون من دوما بالباصات..»، وتتابع الأحداث الذي أظهرت براعة الممثلين، الممثل يوسف مقبل قائد «جيش الإسلام» وأحد عناصره الممثل أمير برازي الذي يشير عليه بقصة تمثيلية الكيماوي، إلى الأطباء الموجودين الذين رفضوا التمثيلية وكتبوا بيانهم بأن ما رش على الناس مخدر وليس كيماوياً، إلى بعض الممثلين الذين أخذوا دور عناصر الجيش وغيرهم، ومنهم الممثل لجين إسماعيل الضابط محمد الذي التقى الضابط الروسي الممثل (محمد الأحمد) مصادفة في الجبهة، الذي يعرفه منذ كان في موسكو يخضع لدورة، ومن أجمل الحوارات التي اشتغل عليها المخرج عند بدء عملية اقتحام مستودع الأسلحة لمسلحي «جيش الإسلام» ومحاصرة الضابط محمد وطلبه مؤازرة جوية، وفي هذه الأثناء يطلب الضابط الروسي من رئيسه الدخول على مسؤوليته لمساندة الضابط محمد، وحوارهما عندما دخلا أحد البيوت في دوما واختباؤهما عند المرأة الدومانية الممثلة رنا شميس بعد تأكدها أنهما من الجيش، حيث يتذكران تلك المقولة التي كانا يرددانها «الجندي لا يولد جندياً لكن يموت جندياً» وهنا تكمن براعة الكاتب والمخرج.

لتقودنا التفاصيل التي اشتُغل عليها بدقة لإظهار ما بقي في نفوس الناس من تساؤلات حول الاتفاقية، مظهرين خيانة المسلحين للاتفاقية، الذين أقدموا على حرق كل الآليات ووثائقهم، وتمزيق أسماء المعتقلين إلى قسمين، وقيامهم بعد فشل عملية مستودع الكلور بقنص الضباط الروسي لكي يرد الجيش وتبدأ المناورة من جديد، وهم في هذه الأثناء يخرجون بسيارتهم وبالنقود من دون تفتيش كما طلبوا من المفاوضين، وإرسال أحد رجالهم لتصفية تلك المرأة الدومانية التي خبأت الضابطين لكنها تتمكن من قتله، وببراعة يظهر المخرج استبسال الضابط محمد لسحب الضابط الروسي، وهنا يقنصه المسلح في قلبه، وفي سيارة الإسعاف يقول الضابط الروسي له ستكون بخير، من أجل ابنك ووطنك، ويطلب منه أن يجعل ابنه يلعب في ساحات الوطن بأمان لأن الوطن أصبح بخير.
وينهي المخرج الفيلم من حيث بدأه في المشفى الذي فيه الضابط الروسي متابعاً حديثه: زوجك كان بطلاً ومات وهو يدافع عن وطنه، ويقول لابنه يحيى، الطفل «شادي جان» نحن موجودون بفضل جهود والدك وأمثاله، ولولاهم ما رجعت سورية ويجب ألا ننساهم، ويهديه «النيشان» الذي على بدلته، ليتذكر والده كلما رآه، ويقول له: لقد أعطاني والدك أحلى وسام، أعطاني الحياة ويودعهما وهو يقول انتصرت سورية ويعود لفراشه.

وعلى الرغم من الصيغة المباشرة التي ارتكز عليها الكاتب الصحفي وسام كنعان في تناوله لتلك القصص الحقيقية التي جرت، كبسالة هؤلاء الشباب الشجعان الذين يخوضون المعارك على الجبهات وعلاقتهم مع الروس وامتزاج الدماء فيما بينها، ووجود مجموعة من الأطباء السوريين من أبناء مدينة دوما في مشفى دوما التخصصي الذين كانوا مضطرين لمسايرة المسلحين، لكنهم أظهروا موقفاً شجاعاً وبطولياً وكتبوا تقريراً أنه لا يوجد كيماوي وهم تحت سطوة المسلحين، وظهر في الفيلم صورة عن البيان الذي أصدروه، وقد تم لاحقاً الاعتماد عليه بشكل أساس لتبرئة الدولة السورية من تمثيلية الكيماوي، لكن هذه المباشرة أظهرت مدى عمق العلاقات الإنسانية، وبيّنت أيضاً أهمية الزمن فكل دقيقة على الجبهة تساوي عشر سنوات في مكان آمن.

فيلم روائي متوسط اعتمد على قصة حقيقية من دون أن يأخذ الكاتب وسام كنعان عبء التوثيق للتفاصيل الدقيقة التي جرت في دوما، والتي تكشف عنها بعض الوثائق العسكرية والمعلومات الخاصة، فعلى ما يبدو أراد الكاتب من الفيلم أن يمنح جرعة متعة وحماسة وحيوية لجمهور السينما، بالارتكاز على بعض الوثائق الحقيقية.


المصدر : صحيفة تشرين

أضف تعليق

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ